في الوقت الذي تعيد بتكرار مستمر القنوات الفضائية المسيحية بث عظات قداسة البابا شنودة الثالث، رغم مرور أربع سنوات على رحيله، نجد إهمالًا تامًا وتجاهلًا لعظات وقداسات واجتماعات عدد كبير من قامات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الأمر الذي وصفه البعض بقوائم الممنوعين من الظهور على هذه القنوات، وهؤلاء الممنوعون من بينهم أحياء، وكثيرون من الأموات. والذي فتح هذا الجرح هو الإكليريكى منير عطية سكرتير الأنبا غريغوريوس أسقف عام البحث العلمى والدراسات القبطية بالكنيسة القبطية، الذي استنكر تجاهل القنوات الفضائية المسيحية إحياء ذكرى الأنبا غريغوريوس. وقال منير: «لقد رحل الأنبا غريغوريوس منذ ١٤ عامًا، وهو الأستاذ والمعلم الكبير الذي نشر تراثه في ٥١ مجلدًا وطوال هذه السنوات لم تذع أي قناة مسيحية صلاة قداس قام بها نيافته أو عظة ألقاها رغم توفر كل هذه المواد». وتساءل عطية: هل هذه القنوات بذلك تخدم المسيحية وهل الآباء الأساقفة المسئولون عنها راضون عن ذلك؟ الجدير بالذكر أن عدة خلافات وقعت بين الأنبا غريغوريوس والبابا شنودة الثالث في عدد من القضايا اللاهوتية والعقيدية بالكنيسة. ويقول منير: «لم أكن أرغب في إثارة هذا الموضوع للنبش في الماضى أو الإساءة إلى أحد، فكل واحد عمله سيمتحن أمام الله، ولكنى كنت أرغب في إثارة الضمير المسيحى في المسئولين عن هذه القنوات، حتى تعمل من أجل الخدمة ومجد المسيح، بعد أن تحولت إلى السياسة والطبيخ والأزياء وإلى أمور عالمية كثيرة. فإن هذه القنوات وإن كان أسسها أشخاص فمن أجل الخدمة، فمن تبرع بماله صار لا يملكه بل صار ملكًا لله، كما أن ما يأتيها من تبرعات فهو من الشعب، فعلى الأقل صارت القناتان أغابى وM.E ملكًا للكنيسة ـ يقصد أغابى ومى سات ـ ويجب أن تكون لهما خريطة واضحة للعمل والخدمة ترضى عنها رئاسة الكنيسة. ولا يتحكم فيها أفراد. ولا تتحول الكنيسة إلى مقاطعات كل واحد يملك مقاطعة». القائمة هناك قائمة كبيرة من آباء الكنيسة لا يظهرون في أي عظات أو تسجيلات على قنوات الكنيسة، رغم الاعتراف بقيمتهم وعلمهم الغزير وعظاتهم الروحية الرائعة، فإلى جانب الأنبا غريغوريوس، هناك الأنبا أثناسيوس مطران بنى سويف السابق. والأنبا باسليوس مطران القدس والأب القمص بيشوى كامل مؤسس كنيسة مارجرجس سبورتنج بالإسكندرية، والأنبا بيمن أسقف ملوى والأنبا يؤانس أسقف الغربية. هؤلاء بعض مشاهير رجال الدين المسيحيين. أما من بين مدرسى الكلية الإكليريكية، فهناك المؤرخة الكبيرة إيريس حبيب المصرى صاحبة سلسلة كتب قصة الكنيسة القبطية. وتضم قائمة الممنوعين من الظهور في برامج التوك شو المسيحى كمال زاخر مؤسس التيار العلمانى الإصلاحى، وهذه أمثلة فقط، وبالقطع يأتى على رأس هؤلاء جميعا الأب متّى المسكين صاحب التراث الكنسى الكبير، والذي تصل مؤلفاته إلى ٢٠٠ كتاب وعدد كبير من العظات. وعن ذلك يقول الباحث عيد سعد: «القنوات القبطية تدار كما يدار التليفزيون المملوك للدولة والتركيز على رأس الكنيسة، وأيضا الشللية والمحبين والمقربين، والعظات تكون دائما للذين ترضى عنهم السلطة إلى جانب عدم المعرفة من المعدين، فلا نجد برامج وعظات قديمة لشخصيات مثل المتنيح الأنبا غريغوريوس أو أبونا بيشوى كامل أو الأنبا يؤانس أسقف الغربية». أو حتى نجد برامج تتحدث عن الأب متّى المسكين أو عظات له وغيرهم الكثر من النخبة المثقفة، بل نجد برامج تعمل على تغييب العقول، وإذا كانت شخصية مثل الأنبا غريغوريوس وهو علامة في اللاهوتيات والثقافة القبطية والبحث العلمى، تجد دائما هناك تهميشًا لعظاته بسبب خلافات أو غيره، دائما القائد لا يحب من هو أعلى منه في الثقافة، لكى لا يختفى وهو يظهر بعلمه إلى جانب تهميش الأب متّى المسكين وعظاته، تجد الاتجاه العام والخطوط العريضة التي ترسمها القنوات المسيحية تقدم فروض الطاعة والولاء للسلطة الحاكمة وعدم الخروج عليها، وعدم وضع تعاليم لا ترضى عنها سلطة الكنيسة، تجد القنوات تبحث دائما عن برامج أو نقل أحداث أحيانا بعيدة كل البعد عن الهدف التي تستخدم من أجله دائما، تجد برامج لا تناقش مشاكل الأقباط الحقيقية، ولا تنقل الصورة كاملة. دائما الصورة المنقولة بعين رئيس الكنيسة، لأنه هو الوحيد الذي لديه كل المعرفة، وهو المؤيد بالروح القدس والباقون ليست لديهم المعرفة، فلماذا تكون دائما الصورة هي نقل احتفالات تذهب القنوات مع رئيس الكنيسة دون وجود هدف وعظات حقيقية لشخصيات لديها معرفة وعلم حقيقى»؟. أما الباحث هانى إسحق فقال: «التوجه لطمس الهوية الأرثوذكسية، مخطط على المدى الطويل، إستراتيجية القضمات الصغيرة والمشكلة الكبرى في تجاهل هؤلاء العظام، هي عدم توثيق والحفاظ على هذا التراث للأجيال القادمة ومع الوقت سوف يضيع للأسف». أما كمال زاخر الممنوع في عصر البابا شنودة، وحتى الآن من الظهور في هذه القنوات قال: «القنوات الفضائية المنتسبة للأقباط الأرثوذكس تقوم على رؤية أصحابها وتوجهاتهم، وهم في أغلبهم من الآباء الأساقفة المتبنين لفكر وتوجه قداسة البابا الراحل الأنبا شنودة، ويرون أن الأسماء التي تفضلتم بطرحها، خارج توجههم». «إضافة إلى أن هذه القنوات تحتاج للخروج من الرؤية الفردية للرؤية المؤسسية، وتترجم ذلك إلى خريطة برامج تحققها». أما الكاتب عادل جرجس فيقول: «من المعروف والمسلم به أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، قد انعزلت عن النتاج اللاهوتى العالمى طيلة ما يقرب من قرن ونصف القرن، ولاهوت الكنيسة القبطية لاهوت متشرذم قائم على النقل من بعض القصاصات لآباء الكنيسة الأولىن، فتراث الآباء الذي تفخر به الكنيسة القبطية، وتناطح به السحاب لم يتم جمعه حتى الآن عن قصد، فهذا التراث به الكثير من اجتهادات الآباء عجزت الكنيسة عن فهمها، فنقلت الكنيسة من تراث الآباء ما فهمت ورفضت ما استعصى عليها فهمه دون محاولات جادة للخوض في أعماق فلسفة تراث الآباء، وتبنت الكنيسة لاهوتًا بدائيًا يعجز عن تقديم رؤى حقيقية لأهم مكونات العقيدة بينما كان اللاهوت الغربى ومعظمه أرثوذكسى، ينفتح على كل الفلسفات والثقافات مؤثرًا ومتأثرًا بها في دوائر بحثية وفلسفية متقاطعة، وهو ما أغرى بعض آباء الكنيسة المعاصرين مثل الأنبا غريغوريوس والقمص متّى المسكين للانفتاح على هذا النتاج اللاهوتى، وترجمة البعض منه والنقل عنه بتصرف ليطرح هؤلاء لغة لاهوتية جديدة تختلف أبجديتها عما هو متداول في الفكر الكنسى القبطى، ومن هنا كان التصادم بين تيارين داخل الكنيسة، الأول قائم على النقل من لاهوت متشرذم، والثانى يعمل العقل وينفتح على كل الثقافات. ومع اهتمام الكنيسة القبطية بتكريس سلطاتها الدنيوية، وما تعرضت له الكنيسة من مواءمات سياسية كثيرة تردى البحث العلمى داخل الكنيسة، وهو ما يظهر جليًا وواضحًا عند مقارنة الحركة الأكاديمية الإكليريكية «الكليات الإكليريكية» بمدرسة الإسكندرية اللاهوتية التي أسسها القديس ديدموس الضرير، فهناك بون شاسع بين توهج مدرسة الإسكندرية، وبين انكفاء الكليات الإكليريكية. ومع بداية ثورة الاتصالات وسيطرة الميديا على التعليم لجأت الكنيسة إلى منع تراث الآباء المجددين وحرق كتبهم، وتبنت إعلام التخدير والتغييب عن طريق تقديم بعض الأعمال الدرامية التي تحكى سير الشهداء والقديسين وما تعرضوا له من اضطهاد، وتم نشر المنهج الأرسطى في التطهير عن طريق إثارة الشفقة والخوف، لتتوالى الضربات التي تقسم ظهر لاهوت الكنيسة، وتطفو على السطح أزمة تقييد العقل القبطى، ومنعه من الانفتاح على النتاج اللاهوتى العالمى على الرغم من سهولة الحصول على المعلومات وحرية تداولها ومنع عظات هؤلاء الآباء المجددين على الفضائيات الكنسية ليس بجديد، ولكنه استمرار لمخطط تقييد العقل القبطى، وتغييبه وإقصاء كل ما يمكن أن يضع لاهوت الكنيسة المتشرذم بحثيًا في حرج.

تعليقات بلوجر
تعليقات فيس بوك